فضل الكلاب ..!!

هذا أوان قراءة كتاب ( فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب ) لمحمد بن خلف المرزبان البغدادي

اللي يأكل لوحده يزور ..!!

لا تأكل بمفردك – هذا هو اسم الكتاب – ويبدو أن مؤلفه اطلع على المثل المصري الشهير ( اللي ياكل لوحده يزور ) وآمن به :)

لخص المدون رؤوف شبايك هذا الكتاب وبدأ تلخيصه بالفقرة التالية :

لعل من أشهر الكتب التي سينصحوك بقراءتها كتاب: لا تأكل بمفردك أو Never Eat Alone لمؤلفه الأمريكي كيث فيرازي الذي نشره لأول مرة في عام 2005. هذا الكتاب باختصار ينصحك بألا تكون أنانيا، وبألا تكون خجولا، وأن تساعد الغير، لأن في مساعدتهم الفائدة لك. كيث فيرازي – مؤلف الكتاب – ليس من المشاهير أو الأثرياء، لكنه نجح في حياته العملية وأدرك أنه توصل لمعادلة انسانية أراد مشاركة العالم بها، ألا وهي أنه حين تساعد الآخرين، بقوة وبتكرار، فإن هذه المساعدة تعود إليك أضعافا مضاعفة، وهذا ما طبقه المؤلف خلال عشرين عاما من حياته العملية.

خلاصة الكتاب تكمن في الفقرة التالية :

يرى المؤلف أن الفقر ليس نقصا في الموارد المالية للفقير، بل هو فعليا انعزال عن معرفة أناس يمكنهم مساعدة الفقير على تحسين أحواله والخروج من دائرة الفقر. الثراء هو فعليا لعبة ذات قواعد وقوانين ثابتة، ومن يفهم هذه القواعد ويتقنها، يمكنه أن ينجح ويصيب الثراء. بالإضافة لذلك، هذا الذي يمضي في الحياة ويتعرف على أناس يساعدونه على تحقيق أهدافه، هو الآخر سينجح أكثر. نعم، يمكنك أن تنجح بمفردك، دون حاجة للتعرف على شركاء وأصدقاء ومساعدين وناصحين ومستشارين وغيرهم، لكنك لن تذهب بعيدا في نجاحك، والذي سيكون محدودا مقارنة بما كان يمكنك تحقيقه لو صنعت شبكة معارف مفيدة لك.

حنان ..

كنت في رابعة أو خامسة ابتدائي .. لا أتذكر على وجه التحديد ..
المهم أنها كانت زميلة في أحد المعاهد التعليمية في فترة الأجازة الصيفية ..
بيضاء .. رقيقة .. شاطرة .. شعرها ناعم .. عيونها ملونة .. من الآخر جميلة والأهم أنها كانت تختلس لي النظرات :)
أما أنا فلم أعر الأمر الاهتمام الذي عرفت فيما بعد أنه كان يستحقه ..
يمكن لأني مؤدب ومتربي أو لأني طفل غبي فاقد الاحساس عديم الرومانتيكية أو لأني احترمت وجود ولد قريب لها معنا في نفس المعهد .. لا أعرف بالضبط ..

لابد من بعض التفاصيل عن هذا العيل ..
أتذكر وأنا في الصف الثاني الابتدائي كنت اشتري بمصروفي الجرائد من عم عبده التحش – وهو اللقب الذي أطلقه عليه أبي لضخامته وغلظته – ذلك الحلاق على ناصية شارعنا والذي في لحظة تاريخية شارك عم شكوكو متعهد الجرائد والمجلات في حينا واندمجا معا في مؤسسة إعلامية ثقافية صغيرة ..!!
وبدلا من مشوار طويل أقطعه كل صباح إلى كشك عم شكوكو في أول الحي اتفق الرجلان على وضع ترابيزة أمام محل الحلاقة كفرع لمؤسستهما يشرف عليه عم عبده وأصبحا شريكين في هذه الترابيزة التي كانت مصدرا يوميا اشتري منه الجرائد ..

يوم الجمعة اشتري الاهرام ولابديل عنه .. فالعدد الأسبوعي للأهرام بصفحاته الوفيرة كان مطلبا لأمي رحمها الله حيث كانت لها فيه مآرب عدة ..
تفرش عليه الأكل .. تلف فيه السندوتشات .. تنظف به الزجاج .. والاهم له وزنه عندما تتراكم الأعداد وتأخذها لتبيعها لمحلات البقالة بالكيلو ..
أما يوم السبت فأشتري الأهرام ايضا بإجماع الأراء لان خريطة برامج القناتين التلفزيونيتين اليتيمتين طوال الأسبوع تنشر في هذا اليوم ..
أما يوم الاحد فلابد من شراء جريدة الاخبار لحكمة تلفزيونية أخري .. حتى نتأكد من تطابق خريطة برامج التلفزيون المنشورة في أهرام السبت مع الخريطة التي تنشر في أخبار الأحد ونرتب سهراتنا على مدار الأسبوع بناءا عليها ..

هنتفرج على مسرحية السهرة يوم الخميس على القناة الأولي أم الفيلم الأجنبي المعروض في برنامج اوسكار على القناة الثانية ..
سهرة الثلاثاء فيلم أم برنامج حواري .. ؟ يوم الأربعاء هنتفرج على برنامج اخترنا لك وحلقات مسلسل نايت رايدر وماكجايفر على الأولي أم الفيلم العربي المعروض في برنامج ( سينما نعم سينما لا ) لمقدمته المثقفة المحترمة خديجة خطاب على القناة الثانية ..

أما باقي الأيام فتتنوع الجرائد وغالبا يوم الاثنين اشتري جريدة الحزب الوطني الحاكم – مايو – من أجل الوالد الذي فاجأنا في يوم بكارنيه عضوية الحزب .. كنت اسخر من الجريدة ومستواها الهزيل امام الوالد حتى قرر مقاطعتها ..
كنت عيل صاحب نظرة ولم ارتح لسمسم العجيب – سمير رجب – رئيس تحرير مايو وقتها ولا لشكله أو أسلوبه ولم أرتكب يوما جريمة شراء الجرائد الأخري التي يرأس تحريرها مثل الجمهورية والمساء ..
كنت قاريء النشرة في إذاعة المدرسة وأتذكرني وأنا اتدرب على نطق أسماء كجورباتشوف وتشيكوسلوفاكيا ورونالد ريجان وفرانسوا ميتران وانديرا غاندي ومتمردي نمور التاميل … الخ

كل فترة أخرج مع الوالد لأشتري بعض المجلات كسمير وماجد وقصص المغامرون الخمسة والشياطين الـ 13 وكل مرة يتطور مستوي اختياراتي ومرة تلو أخرى تعرفت على مجلات صباح الخير وروز اليوسف .. وسلاسل مختلفة عن تبسيط العلوم والشخصيات التاريخية ..

وارد جدا أن تكون هذه الأجواء هي التي جعلتني لا أتجاوب مع نظرات حنان في الحصص ومحاولات تواصلها معي ..
كنت أشعر بشيء من ناحيتها تجاهي إلا أنني تجاهلت الأمر لأنه حسب التربية التي نشأت عليها عيب وما يصحش خاصة مع وجود الولد قريبها ..

في يوم غريب محفور في ذاكرتي لمحتها على أول شارعنا وأنا ألعب مع أصحابي ..
عادي .. ايه المشكلة .. رايحة مشوار ومعدية من شارعنا صدفة ..
تقدمت حنان في الشارع وأنا أختلس النظر إليها على فترات لأجدها مصوبة نظراتها تجاهي بشكل غريب وجريء ..
وكلما تقدمت يظهر لي أنها تتوجه نحوي بشكل متعمد ونظراتها لا تفارقني ..
أنظر للعيال ويخامرني احساس بأنهم يعرفونها ويعرفون أنها متوجهة لي وأن بيننا شيء ما وأنها ستفضحني أمامهم وتسقط صورة أقطاي الطيب المستقيم التي يعرفونها عني ..

تقترب حنان ناحيتي ..
تقترب .. تقترب ..
ومع اقترابها أشعر بخطواتها ونظراتها موجهة نحوي بشكل حاد ..
هش .. بعيد .. بعيد .. امشي في نص الشارع أو الناحية الثانية ..
تتسارع دقات قلبي بشكل لا أجد له مبررا من منطق أو عقل ليحدث وهي على بعد خطوات وعلى وشك أن تخاطبني رد فعل مجنون ..
فجأة وبدون أي ترتيب أو تفكير أطلقت ساقاي للريح وجريت بكل قوتي كحرامي غسيل رأي كلبا على السطوح ..
الأكثر جنونا رد فعل حنان .. لو كانت كلبا لتفهمت ما فعلته ..!!
اندفعت خلفي بشكل هستيري وظلت تطاردني لثلاث شوارع كاملة بإصرار عجيب حتى حل بي التعب وارتكنت على أحد الحوائط ووجدتها تقترب مني والدموع في عينيها ..

- انا عارفة انت بتتجاهلني وبتجري مني ليه ؟
من إعيائي ودهشتي لم ارد ..
- انت عرفت ؟
اكتفيت بنظرة تائهة وخوف من ان يأتي أحدهم ليضربني على المصيبة التي ارتكبتها في حق هذه البنت الباكية المسكينة ..
عملت إيه في البت ياض .. ؟
والله يا عم ما عملت لها حاجة .. هي اللي بتجري ورايا ..
- عرفت اني عيانة بالقلب وهاعمل عملية صعبة واحتمال أموت واني مش هاقدر اتجوز واخلف ..!!

الموقف مرتبط عندي بمشهد يجمع احمد حلمي بناهد السباعي في فيلم اكس لارج ..
بتحكي له عن حبها للبوس ورحمها ومبايضها السليمة والوحمة في ظهرها والتي كانت على وشك ان تريها له ..!!

قالت حنان جملتها وكفكفت دموعها وانسحبت بهدوء وأنا اتابعها مذهولا ووقفت للحظات استجمع ما جري وانظر حولي كالحرامية لأتأكد أن لا أحد رأي ما حدث وبسرعة اتخذت الاتجاه المعاكس لطريقها عائدا لشارعنا وأنا غير مصدق ..

انقطعت حنان عن المعهد ولم أجرؤ على سؤال قريبها عنها خوفا من أن تكون قد ماتت بالفعل فلم أكن لأسامح نفسي فالمشوار الذي جرته ورائي بالتأكيد سيكون أحد أسباب موتها المحتمل ..

عاش النضال والصمود العربي

في 1990 التقت المانيا والامارات في كأس العالم وانتهت المباراة بفوز ساحق للألمان بالخمسة مقابل هدف وحيد ..
احتفوا واحتفلوا واقاموا الولائم ووزعوا أفخر السيارات الألمانية كجوائز ..
اقاموا المؤتمرات والندوات للحديث عن الإنجاز التاريخي ..
أفاضوا في تحليل عظمة وروعة الأهداف ..
أقصد الهدف الوحيد اليتيم ..
عن الفريق العربي والإنجاز العربي والصمود العربي أتحدث ..!!!

مع عم زقله وهاني في شركة مصر :)

كانت أول تجربة عمل حقيقة لي في أجازة الثانوية العامة وأنا على أعتاب الدخول للجامعة ..
قبل هذه الاجازة كانت تجارب أعمال عابرة لأيام قليلة خلال شهور الصيف .. عامل بناء .. عامل في مطعم .. صبي ترزي .. صبي مكوجي …
صديقي علاء عرفني سكة مقاول شركة مصر للغزل والنسيج ..
تلك الشركة الكبيرة الضخمة المشهورة عالميا تستعين بمقاول انفار يمدها بعشرات العمال يوميا يتم توزيعهم على اقسامها المختلفة لأداء بعض المهام نظير أجر غاية في الضآلة ودون أن تتكفل هى بأي التزامات تجاههم من ناحية التأمينات والعلاج وخلافه ..
كنت نفرا أخرج في السادسة صباحا لأقف أمام باب الشركة مع العشرات ليختار من بيننا المقاول لنعمل باليومية في ذلك الصرح الصناعي العظيم ويتم توزيعنا على الاقسام المختلفة واعود في الثانية والنصف ظهرا منهك القوي لأنام حتى المغرب ثم أذهب لنجتمع مع أصدقاء لنا في شقة هاني ابن الحاج عاطف عليه رحمة الله ..

أيامها كانت منافسات كأس العالم بأمريكا على أشدها ولم يكن هناك تشفير ولا يحزنون .. كانت البركة موجودة في كل شيء حتى في الفرجة على كرة القدم :)
رشيدي ياقيني النيجيري .. هاجي الروماني .. ميلا الكاميروني .. هيجيتا الحارس الكولومبي المجنون .. ستويشكوف الذي قاده بلاده بلغاريا الى المركز الرابع في البطولة .. روماريو وبيبيتو ورونالدو ودونجا نجوم البرازيل والنجم الايطالي روبرتو باجيو الذي أضاع ضربة جزاء أهدت البرازيل الكأس
ياااااااااااااااااااااه .. كانت أيام

كانت الأجرة اليومية جنيهين بحالهم وإذا عملت لمدة كاملة ( المدة 15 يوما ) دون غياب يتم احتساب اليوم بـ جنيهين وعشرون قرشا .. هذه الزيادة كانت أحلى وأجمل 3 جنيه .. كنت أكافيء نفسي إذا فعلتها بكوب سحلب أو ازازة حاجة ساقعة فور استلام القبض :)
في الأعوام التالية كانت الشركة ملاذا لي في الأجازة الصيفية لجمع بعض الجنيهات القليلة التي تكفي بالكاد طقم ملابس وبعض مصاريفي الشخصية ..
تعرفت في الشركة على نوعيات غريبة جدا من البشر كان هذا العمل مصدر رزقها الذي لا تعرف غيره والذي ويا للعجب يكفيها بشكل ما كثيرا ما فكرت فيه ولا أجد تفسيرا إلا البركة ..!!

أول هؤلاء كان عم زقله – هذا اسمه البدري زقله – وكان له من اسمه نصيب .. كان أول من يحضر – بدري جدا – ليقف في أول طابور الأنفار وتقريبا لم يغب طوال الايام التي عملت فيها هناك وكان له شكل وهيئة تليق باسمه الغريب ..
عمره يزيد عن الستين .. قصيرا صاحب رأس صلعاء ضخمة .. قليل الكلام وصوته إذا تكلم عميق جدا كأنه يخرج من أعماق سحيقة ..
يلبس دوما جاكتا مهلهلا وبنطلونا قصيرا لم يغيرهما طوال السنوات التي عملت فيها ولما حدث وأتي يوما بثياب جديدة مختلفة كان مثار تعليقاتنا وسخرية البعض وخرجت تفسيرات عدة لهذا الأمر أهمها أنه ورث أو أنه على وشك الزواج ..
ويبدو أنه لم يتحمل ما جري أو أن العروس رفضته فعاد لثيابه القديمة في اليوم التالي مباشرة ..
كان يمشي بهدوء شديد عاقدا كفيه وراء ظهره ينظر أمامه وحوله كأنما يبحث عن عمره الذي ضاع ويفكر في الظروف التي أتت به في هذا العمر الى مكان مثل هذا ..
ترددت قصة عن أهله الذين أكلوا حقه في الميراث وتركوه نهبا للفقر والوحدة .
كل حوارتي مع عم زقله لا تتعدي .. ازيك يا عم بدري .. عامل ايه ؟؟
تقطعها ردوده المقتضبة بصوته العميق المجسم الخارج من بطنه : أههههههههههههههههههللللللللللللاااااا

أيضا كان هناك عم محمد وكان مميزا بجسده الممتليء وبيجامته المخططة وحذائه الرياضي القديم ومشيته المفرودة كأنه مصلوب وابتسامته العريضة وشعره الابيض المنكوش الذي يبدو وكأنه خاصم الفرشاة لسنوات ..
عرفت أن عم محمد له ابنة جامعية يصرف عليها من يومية العمل بالشركة .. !!

أما ياسر فكان شابا ريفيا بسيطا لم ينل حظا من التعليم لا يقرأ ولا يكتب لكنه كان معتنيا بنفسه لأقصي درجة ..
الشعر مدهونا في الصباح وعند الانتهاء من العمل والملابس نظيفة مكوية ويتحرك بجدية عسكرية تتناسب مع القسم الذي يتم توزيعه عليه غالبا .. قسم المقشات ..!!
نشأت بينه وبين المقشة علاقة تجلت في طريقه إمساكه بها واحتضانه لها وتعامله معها .. لم يكن ينقصه إلا أن يطبع قبلات حانية على خصلاتها ..!!
كان يكنس بها كأفضل ما يكون وبضربات قوية سريعة ثابتة يصعب علينا نحن الهواة أن نقلده فيها ويتحدانا أن نفعل مثله ..!!
وحتى عندما يتم توزيعه على المخازن كان يتعامل مع عجلات نقل البالات باحترافية وسرعة كنا نحسده عليها
كان أمل ياسر أن يتم تعيينه في الشركة وكان لا يفتر من البحث عن واسطة هنا وهناك لتحقيق حلمه الذي لا اعرف ان كان نجح فيه أم لا ..

التحقت بكلية الآداب وفي أجازة أول عام جامعي تقابلت مع هاني عياش في الشركة ..
كان من قرية قريبة .. لفت نظري إليه جسمه القصير وابتسامته الدائمة التي أضفت مسحة من جمال على وجهه الأسمر وصوته العالي المميز الذي لا تخطئه الأذن وقدرته على الكلام لساعات دون أن يمل وبطريقة مشوقة تجبرك على متابعة حكاياته رغم ما بها من مبالغة واضحة وفشر ملحوظ ..
تعارفنا سريعا بسبب الدراسة المشتركة – كلية الآداب – كنت طالبا بجامعة طنطا أما هو فكان طالبا بجامعة المنصورة ..
من أول لحظة استلم أذناي بحكايات وقصص عجيبة ولم أقاطعه كثيرا بسبب طريقته المشوقة إلا ان هذا لم يمنعني أحيانا من تسجيل اعتراضي على المبالغات الواضحة والفشر البين في كلامه ..
كان يخلط بين معلومات صحيحة قليلة وحكايات من نسج خياله ليحبك الأمر ..
كان مسليا في ساعات الفراغ من العمل الذي لم يكن يستغرق أكثر من 3 ساعات .. تقريبا لم نكن نفترق من ساعة دخول الشركة وحتى الانتهاء من العمل والخروج منها وحتى عندما يتم توزيعنا على مكانين مختلفين , من ينتهي من عمله أولا يذهب للآخر في مكانه ..
لم يكن يحضر معه طعاما فكنت أتشارك معه الأكل البسيط الذي أحضره معي .. عدة أرغفة مع بعض الطعمية وقطع الفلفل والبدنجان المقلي أشتريها وأنا قادم في طريقي للعمل بميزانية لا تتجاوز الـ 35 قرشا .. !!
وكثيرا ما وعدني هاني بأكل ريفي – فطير مشلتت وجبن وبطاطس مقلية … – سيحضره معه في يوم من الأيام فأرد عليه ضاحكا بأنني في انتظار هذا اليوم الموعود ..
كانت أعجب حكاياته عن تلك الفتاة التي قابلها في أحد طوابير الخبز والتي حماها من معاكسة بعض الشباب وتعرف عليها ليكتشف أنها قاهرية في زيارة لأحد أقاربها في المحلة لقضاء أجازة الصيف وأنها قريبة للفنانة الفلانية والسياسي حبيب شعبان عبد الرحيم ..
تحدث عن قصة الحب التي نشأت بينه وبين هذه الفتاة وتعاهدهما على الزواج بعد الانتهاء من الدراسة والزيارات التي تمت وعائلة الفتاة التي تعرف على بعض أفرادها وترحيبهم به كفرد جديد في العائلة ووعود الفتاة له بمساعدته في شق طريقه في الحياة ..
قصته لم تكن مقنعة إلا أن أسلوبه وحماسته في الحكي وسرعة بديهته في الرد على الثغرات الواضحة تجعلك تستمع وتتجاوز على أمل أن تكون القصة حقيقية وتجد أنت أيضا فتاة من عائلة مثل فتاته ..
فكرت أكثر من مرة في الذهاب لذات الفرن الذي حكي عنه لعلي اجد فتاة بحاجة للمساعدة لأعيش معها قصة حب كقصته ..!!
دراسته للغة العربية وقراءاته جعلته يطعم قصصه بأبيات شعر كنت حريصا على أن استزيد منها .. كل عدة ايام كان يحكي لنا عن تفاصيل جديدة مثيرة تجذب الانتباه رغم علامات الوضع والتأليف الواضحة عليها ..
حكي لنا عن الفنانة قريبة فتاته التي قابلها وتعرف عليها وشبهته بالممثل أسامة عباس ..!!
فلم أملك إلا ان أرد عليه :
أنت أيها الأسمر الأكرت تشبه أسامة عباس .. أكيد تقصد محمد عباس لاعب الكرة في النادي الأهلى في الثمانينات .. ركز يا هاني في التأليف ..
حكي عن تفهم عائلة فتاته لظروفه الصعبة ووعود متضاربة بتسهيل سفره للخارج أو إلحاقه بالسلك الدبلوماسي عن طريق قريب حبيبته المشهور ..!!

وجاء يوم فارق في علاقتي بهاني .. تررررا ررررراا :)
لم أر هاني أمام البوابة كما هو معتاد وسألت عنه بالداخل قالوا موجود ..
العمل يبدأ عادة في الثامنة وقبلها نقوم بتغيير ملابسنا وتناول افطارنا وهو أمر لم أعتد أن يتخلف عنه هاني ..
كنا نعمل في المخازن وهي عبارة عن مساحات واسعة يتم رص بالات القماش فيها على طبليات خشبية في ممرات مرقمة نجلس بين هذه البالات لنستريح ونأكل أو لننام قليلا بعد انتهاء العمل ..
بحثت عن هاني في الممرات وناديته أكثر من مرة ولم أسمع جوابا وفجأة وجدته مختفيا في أحد الممرات بين البالات وأمامه الإفطار الريفي الموعود يتناوله وحده ..!!
فهمت سر اختفائه وأخذ يبرر واكتفيت أنا بنظرة ذات معني لهذا النذل :)

بعد فترة عرض علىّ فكرة العمل بأحد المصانع الخاصة وكانت اليومية مغرية جدا .. 10 جنيهات كاملة
المشكلة ان العمل يبدأ وينتهي في ساعتها من 7 لـ 7 :)
12 ساعة كاملة يتخللها نصف ساعة فقط للغداء ..
كنت أعلم يقينا أن ظروف العمل ستختلف تماما عن تلك الموجودة في الشركة .. ضرب نار ولا مجال للدلع أو الراحة إلا أن اغراء اليومية في هذا الوقت كان كبيرا لدرجة دفعتني لأن أجرب الأمر وبالفعل ذهبنا سويا ..
كان العمل شاقا والوقت يمر ببطء شديد ولم نسترح ابدا للعاملين معنا وهم أيضا كذلك على عكس عمال الشركة الذين وجدنا منهم ترحيبا وتعاونا وتقديرا لطلبة يقضون أجازتهم لكسب بعض المال الذي يعينهم في دراستهم
لم نكمل اسبوعا في العمل وقررنا الانقطاع على ان نلتقي يوم استلام أجورنا – يتم تسليم الأجور مرتين شهريا
ذهبت في اليوم المتفق عليه ولم أجد هاني ووقفت في الطابور وعندما حان دوري فاجأني المسئول : صاحبك قبض لك
صاحبي مين ؟
صاحبك هاني ..!!

استغربت الأمر ولم أضيع وقتا وركبت اتوبيس لقريته وسألت عن بيته ووصلت له وخرج لي بجلابيته مرحبا بصوته العالي وابتسامته المعهودة وأدخلني وأصر على أن نأكل سويا عيش وملح وبدنجان وبطاطس مقلية وبعد السلام والكلام والسؤال عن الأحوال سألته عن فلوسي فقال انه وصل قبلي ووجد اسمي في الكشف قبله فقبض لي حتى لا يأخذها أحد وليحفظها لي عنده ..!!
ثم أخرج 10 جنيهات وقال لي إن عنده ظروف صعبة اضطرته للتصرف فيها وهذا هو المبلغ المتبقي ..!!
كانت الامور واضحة تماما بالنسبة لي .. هاني بيستهبلني .. إلا أنه أفاض في شرح الظروف الصعبة التي تمر بها أمه والجمعية المتأخرة عليها بالإضافة إلى أنه أحرجني لما أصر على أن نأكل سويا وعرفني على والدته ووجدتها ست طيبة فطلبت منه أن يحدد موعدا ليدبر المبلغ الخاص بي ..
ضرب لي موعدا أخلفه عدة مرات وقابلت امه وأخوه في غيابه عن واحد من هذه المواعيد فحكيت لأخوه الأكبر الذي حكي بدوره لأمه وفهمت أني لست الوحيد الذي فعل معه هذا ..
المهم أخذت فلوسي كاملة بعد فترة وانقطعت علاقتي بهاني وأكثر ما أحزنني حكاياته التي افتقدتها .. :(
الله يمسيك بالخير يا هاني :)

لا تبحث عن مستشار

ينصح روبرت كيوساكي الطامحين إلى الوصول للحرية المالية بالبحث عن معلم لا مستشار ..!!
ويحدد الفارق بينهما بالتجربة ..
فالمستشار يخبرك كيف تقوم بأمر لم يجربه بنفسه عكس المعلم صاحب الخبرة والتجربة التي ينقلها إليك.
تحل بسعة الأفق وفي نفس الوقت كن حذرا في التعامل مع ما تسمعه من نصائح وضع في اعتبارك الفئة التي ينتمي إليها صاحب النصيحة.

شكرا 25 يناير

لثورة 25 يناير والأحداث التي تلتها فضل شخصي علىّ فلولاها لظللت على إيماني بأمور اتضح لي أنها محض هراء ..
كان من الممكن أن أعيش بقية حياتي وأموت وفي مخيلتي أساطير عن :
– الجيش الوطني الذي يدافع عن البلاد ويحمي أهلها وثورتهم ..!!
– مصر الولّادة التي سنجد حتما بين نخبتها بديلا محترما لمبارك وعصابته ..!!
– الجماعة التي تحمل الخير لمصر والأيدي المتوضئة التي يجب أن نقول لها نعم لنفوز بالدنيا والآخرة ..!!
– المشايخ الذين فقهوا الدين وأحاطوا بالواقع ولا يخشون في الله لومة لائم ..!!
– المثقفون الأحرار الذين لا يقبلون دخول الحظيرة مهما كانت المبررات والمغريات ..!!
– المعارضة من أجل الوطن ومصالحه ..!!
– القضاء الشامخ ..!!