حنان ..

كنت في رابعة أو خامسة ابتدائي .. لا أتذكر على وجه التحديد ..
المهم أنها كانت زميلة في أحد المعاهد التعليمية في فترة الأجازة الصيفية ..
بيضاء .. رقيقة .. شاطرة .. شعرها ناعم .. عيونها ملونة .. من الآخر جميلة والأهم أنها كانت تختلس لي النظرات 🙂
أما أنا فلم أعر الأمر الاهتمام الذي عرفت فيما بعد أنه كان يستحقه ..
يمكن لأني مؤدب ومتربي أو لأني طفل غبي فاقد الاحساس عديم الرومانتيكية أو لأني احترمت وجود ولد قريب لها معنا في نفس المعهد .. لا أعرف بالضبط ..

لابد من بعض التفاصيل عن هذا العيل ..
أتذكر وأنا في الصف الثاني الابتدائي كنت اشتري بمصروفي الجرائد من عم عبده التحش – وهو اللقب الذي أطلقه عليه أبي لضخامته وغلظته – ذلك الحلاق على ناصية شارعنا والذي في لحظة تاريخية شارك عم شكوكو متعهد الجرائد والمجلات في حينا واندمجا معا في مؤسسة إعلامية ثقافية صغيرة ..!!
وبدلا من مشوار طويل أقطعه كل صباح إلى كشك عم شكوكو في أول الحي اتفق الرجلان على وضع ترابيزة أمام محل الحلاقة كفرع لمؤسستهما يشرف عليه عم عبده وأصبحا شريكين في هذه الترابيزة التي كانت مصدرا يوميا اشتري منه الجرائد ..

يوم الجمعة اشتري الاهرام ولابديل عنه .. فالعدد الأسبوعي للأهرام بصفحاته الوفيرة كان مطلبا لأمي رحمها الله حيث كانت لها فيه مآرب عدة ..
تفرش عليه الأكل .. تلف فيه السندوتشات .. تنظف به الزجاج .. والاهم له وزنه عندما تتراكم الأعداد وتأخذها لتبيعها لمحلات البقالة بالكيلو ..
أما يوم السبت فأشتري الأهرام ايضا بإجماع الأراء لان خريطة برامج القناتين التلفزيونيتين اليتيمتين طوال الأسبوع تنشر في هذا اليوم ..
أما يوم الاحد فلابد من شراء جريدة الاخبار لحكمة تلفزيونية أخري .. حتى نتأكد من تطابق خريطة برامج التلفزيون المنشورة في أهرام السبت مع الخريطة التي تنشر في أخبار الأحد ونرتب سهراتنا على مدار الأسبوع بناءا عليها ..

هنتفرج على مسرحية السهرة يوم الخميس على القناة الأولي أم الفيلم الأجنبي المعروض في برنامج اوسكار على القناة الثانية ..
سهرة الثلاثاء فيلم أم برنامج حواري .. ؟ يوم الأربعاء هنتفرج على برنامج اخترنا لك وحلقات مسلسل نايت رايدر وماكجايفر على الأولي أم الفيلم العربي المعروض في برنامج ( سينما نعم سينما لا ) لمقدمته المثقفة المحترمة خديجة خطاب على القناة الثانية ..

أما باقي الأيام فتتنوع الجرائد وغالبا يوم الاثنين اشتري جريدة الحزب الوطني الحاكم – مايو – من أجل الوالد الذي فاجأنا في يوم بكارنيه عضوية الحزب .. كنت اسخر من الجريدة ومستواها الهزيل امام الوالد حتى قرر مقاطعتها ..
كنت عيل صاحب نظرة ولم ارتح لسمسم العجيب – سمير رجب – رئيس تحرير مايو وقتها ولا لشكله أو أسلوبه ولم أرتكب يوما جريمة شراء الجرائد الأخري التي يرأس تحريرها مثل الجمهورية والمساء ..
كنت قاريء النشرة في إذاعة المدرسة وأتذكرني وأنا اتدرب على نطق أسماء كجورباتشوف وتشيكوسلوفاكيا ورونالد ريجان وفرانسوا ميتران وانديرا غاندي ومتمردي نمور التاميل … الخ

كل فترة أخرج مع الوالد لأشتري بعض المجلات كسمير وماجد وقصص المغامرون الخمسة والشياطين الـ 13 وكل مرة يتطور مستوي اختياراتي ومرة تلو أخرى تعرفت على مجلات صباح الخير وروز اليوسف .. وسلاسل مختلفة عن تبسيط العلوم والشخصيات التاريخية ..

وارد جدا أن تكون هذه الأجواء هي التي جعلتني لا أتجاوب مع نظرات حنان في الحصص ومحاولات تواصلها معي ..
كنت أشعر بشيء من ناحيتها تجاهي إلا أنني تجاهلت الأمر لأنه حسب التربية التي نشأت عليها عيب وما يصحش خاصة مع وجود الولد قريبها ..

في يوم غريب محفور في ذاكرتي لمحتها على أول شارعنا وأنا ألعب مع أصحابي ..
عادي .. ايه المشكلة .. رايحة مشوار ومعدية من شارعنا صدفة ..
تقدمت حنان في الشارع وأنا أختلس النظر إليها على فترات لأجدها مصوبة نظراتها تجاهي بشكل غريب وجريء ..
وكلما تقدمت يظهر لي أنها تتوجه نحوي بشكل متعمد ونظراتها لا تفارقني ..
أنظر للعيال ويخامرني احساس بأنهم يعرفونها ويعرفون أنها متوجهة لي وأن بيننا شيء ما وأنها ستفضحني أمامهم وتسقط صورة أقطاي الطيب المستقيم التي يعرفونها عني ..

تقترب حنان ناحيتي ..
تقترب .. تقترب ..
ومع اقترابها أشعر بخطواتها ونظراتها موجهة نحوي بشكل حاد ..
هش .. بعيد .. بعيد .. امشي في نص الشارع أو الناحية الثانية ..
تتسارع دقات قلبي بشكل لا أجد له مبررا من منطق أو عقل ليحدث وهي على بعد خطوات وعلى وشك أن تخاطبني رد فعل مجنون ..
فجأة وبدون أي ترتيب أو تفكير أطلقت ساقاي للريح وجريت بكل قوتي كحرامي غسيل رأي كلبا على السطوح ..
الأكثر جنونا رد فعل حنان .. لو كانت كلبا لتفهمت ما فعلته ..!!
اندفعت خلفي بشكل هستيري وظلت تطاردني لثلاث شوارع كاملة بإصرار عجيب حتى حل بي التعب وارتكنت على أحد الحوائط ووجدتها تقترب مني والدموع في عينيها ..

– انا عارفة انت بتتجاهلني وبتجري مني ليه ؟
من إعيائي ودهشتي لم ارد ..
– انت عرفت ؟
اكتفيت بنظرة تائهة وخوف من ان يأتي أحدهم ليضربني على المصيبة التي ارتكبتها في حق هذه البنت الباكية المسكينة ..
عملت إيه في البت ياض .. ؟
والله يا عم ما عملت لها حاجة .. هي اللي بتجري ورايا ..
– عرفت اني عيانة بالقلب وهاعمل عملية صعبة واحتمال أموت واني مش هاقدر اتجوز واخلف ..!!

الموقف مرتبط عندي بمشهد يجمع احمد حلمي بناهد السباعي في فيلم اكس لارج ..
بتحكي له عن حبها للبوس ورحمها ومبايضها السليمة والوحمة في ظهرها والتي كانت على وشك ان تريها له ..!!

قالت حنان جملتها وكفكفت دموعها وانسحبت بهدوء وأنا اتابعها مذهولا ووقفت للحظات استجمع ما جري وانظر حولي كالحرامية لأتأكد أن لا أحد رأي ما حدث وبسرعة اتخذت الاتجاه المعاكس لطريقها عائدا لشارعنا وأنا غير مصدق ..

انقطعت حنان عن المعهد ولم أجرؤ على سؤال قريبها عنها خوفا من أن تكون قد ماتت بالفعل فلم أكن لأسامح نفسي فالمشوار الذي جرته ورائي بالتأكيد سيكون أحد أسباب موتها المحتمل ..