مع عم زقله وهاني في شركة مصر :)

كانت أول تجربة عمل حقيقة لي في أجازة الثانوية العامة وأنا على أعتاب الدخول للجامعة ..
قبل هذه الاجازة كانت تجارب أعمال عابرة لأيام قليلة خلال شهور الصيف .. عامل بناء .. عامل في مطعم .. صبي ترزي .. صبي مكوجي …
صديقي علاء عرفني سكة مقاول شركة مصر للغزل والنسيج ..
تلك الشركة الكبيرة الضخمة المشهورة عالميا تستعين بمقاول انفار يمدها بعشرات العمال يوميا يتم توزيعهم على اقسامها المختلفة لأداء بعض المهام نظير أجر غاية في الضآلة ودون أن تتكفل هى بأي التزامات تجاههم من ناحية التأمينات والعلاج وخلافه ..
كنت نفرا أخرج في السادسة صباحا لأقف أمام باب الشركة مع العشرات ليختار من بيننا المقاول لنعمل باليومية في ذلك الصرح الصناعي العظيم ويتم توزيعنا على الاقسام المختلفة واعود في الثانية والنصف ظهرا منهك القوي لأنام حتى المغرب ثم أذهب لنجتمع مع أصدقاء لنا في شقة هاني ابن الحاج عاطف عليه رحمة الله ..

أيامها كانت منافسات كأس العالم بأمريكا على أشدها ولم يكن هناك تشفير ولا يحزنون .. كانت البركة موجودة في كل شيء حتى في الفرجة على كرة القدم 🙂
رشيدي ياقيني النيجيري .. هاجي الروماني .. ميلا الكاميروني .. هيجيتا الحارس الكولومبي المجنون .. ستويشكوف الذي قاده بلاده بلغاريا الى المركز الرابع في البطولة .. روماريو وبيبيتو ورونالدو ودونجا نجوم البرازيل والنجم الايطالي روبرتو باجيو الذي أضاع ضربة جزاء أهدت البرازيل الكأس
ياااااااااااااااااااااه .. كانت أيام

كانت الأجرة اليومية جنيهين بحالهم وإذا عملت لمدة كاملة ( المدة 15 يوما ) دون غياب يتم احتساب اليوم بـ جنيهين وعشرون قرشا .. هذه الزيادة كانت أحلى وأجمل 3 جنيه .. كنت أكافيء نفسي إذا فعلتها بكوب سحلب أو ازازة حاجة ساقعة فور استلام القبض 🙂
في الأعوام التالية كانت الشركة ملاذا لي في الأجازة الصيفية لجمع بعض الجنيهات القليلة التي تكفي بالكاد طقم ملابس وبعض مصاريفي الشخصية ..
تعرفت في الشركة على نوعيات غريبة جدا من البشر كان هذا العمل مصدر رزقها الذي لا تعرف غيره والذي ويا للعجب يكفيها بشكل ما كثيرا ما فكرت فيه ولا أجد تفسيرا إلا البركة ..!!

أول هؤلاء كان عم زقله – هذا اسمه البدري زقله – وكان له من اسمه نصيب .. كان أول من يحضر – بدري جدا – ليقف في أول طابور الأنفار وتقريبا لم يغب طوال الايام التي عملت فيها هناك وكان له شكل وهيئة تليق باسمه الغريب ..
عمره يزيد عن الستين .. قصيرا صاحب رأس صلعاء ضخمة .. قليل الكلام وصوته إذا تكلم عميق جدا كأنه يخرج من أعماق سحيقة ..
يلبس دوما جاكتا مهلهلا وبنطلونا قصيرا لم يغيرهما طوال السنوات التي عملت فيها ولما حدث وأتي يوما بثياب جديدة مختلفة كان مثار تعليقاتنا وسخرية البعض وخرجت تفسيرات عدة لهذا الأمر أهمها أنه ورث أو أنه على وشك الزواج ..
ويبدو أنه لم يتحمل ما جري أو أن العروس رفضته فعاد لثيابه القديمة في اليوم التالي مباشرة ..
كان يمشي بهدوء شديد عاقدا كفيه وراء ظهره ينظر أمامه وحوله كأنما يبحث عن عمره الذي ضاع ويفكر في الظروف التي أتت به في هذا العمر الى مكان مثل هذا ..
ترددت قصة عن أهله الذين أكلوا حقه في الميراث وتركوه نهبا للفقر والوحدة .
كل حوارتي مع عم زقله لا تتعدي .. ازيك يا عم بدري .. عامل ايه ؟؟
تقطعها ردوده المقتضبة بصوته العميق المجسم الخارج من بطنه : أههههههههههههههههههللللللللللللاااااا

أيضا كان هناك عم محمد وكان مميزا بجسده الممتليء وبيجامته المخططة وحذائه الرياضي القديم ومشيته المفرودة كأنه مصلوب وابتسامته العريضة وشعره الابيض المنكوش الذي يبدو وكأنه خاصم الفرشاة لسنوات ..
عرفت أن عم محمد له ابنة جامعية يصرف عليها من يومية العمل بالشركة .. !!

أما ياسر فكان شابا ريفيا بسيطا لم ينل حظا من التعليم لا يقرأ ولا يكتب لكنه كان معتنيا بنفسه لأقصي درجة ..
الشعر مدهونا في الصباح وعند الانتهاء من العمل والملابس نظيفة مكوية ويتحرك بجدية عسكرية تتناسب مع القسم الذي يتم توزيعه عليه غالبا .. قسم المقشات ..!!
نشأت بينه وبين المقشة علاقة تجلت في طريقه إمساكه بها واحتضانه لها وتعامله معها .. لم يكن ينقصه إلا أن يطبع قبلات حانية على خصلاتها ..!!
كان يكنس بها كأفضل ما يكون وبضربات قوية سريعة ثابتة يصعب علينا نحن الهواة أن نقلده فيها ويتحدانا أن نفعل مثله ..!!
وحتى عندما يتم توزيعه على المخازن كان يتعامل مع عجلات نقل البالات باحترافية وسرعة كنا نحسده عليها
كان أمل ياسر أن يتم تعيينه في الشركة وكان لا يفتر من البحث عن واسطة هنا وهناك لتحقيق حلمه الذي لا اعرف ان كان نجح فيه أم لا ..

التحقت بكلية الآداب وفي أجازة أول عام جامعي تقابلت مع هاني عياش في الشركة ..
كان من قرية قريبة .. لفت نظري إليه جسمه القصير وابتسامته الدائمة التي أضفت مسحة من جمال على وجهه الأسمر وصوته العالي المميز الذي لا تخطئه الأذن وقدرته على الكلام لساعات دون أن يمل وبطريقة مشوقة تجبرك على متابعة حكاياته رغم ما بها من مبالغة واضحة وفشر ملحوظ ..
تعارفنا سريعا بسبب الدراسة المشتركة – كلية الآداب – كنت طالبا بجامعة طنطا أما هو فكان طالبا بجامعة المنصورة ..
من أول لحظة استلم أذناي بحكايات وقصص عجيبة ولم أقاطعه كثيرا بسبب طريقته المشوقة إلا ان هذا لم يمنعني أحيانا من تسجيل اعتراضي على المبالغات الواضحة والفشر البين في كلامه ..
كان يخلط بين معلومات صحيحة قليلة وحكايات من نسج خياله ليحبك الأمر ..
كان مسليا في ساعات الفراغ من العمل الذي لم يكن يستغرق أكثر من 3 ساعات .. تقريبا لم نكن نفترق من ساعة دخول الشركة وحتى الانتهاء من العمل والخروج منها وحتى عندما يتم توزيعنا على مكانين مختلفين , من ينتهي من عمله أولا يذهب للآخر في مكانه ..
لم يكن يحضر معه طعاما فكنت أتشارك معه الأكل البسيط الذي أحضره معي .. عدة أرغفة مع بعض الطعمية وقطع الفلفل والبدنجان المقلي أشتريها وأنا قادم في طريقي للعمل بميزانية لا تتجاوز الـ 35 قرشا .. !!
وكثيرا ما وعدني هاني بأكل ريفي – فطير مشلتت وجبن وبطاطس مقلية … – سيحضره معه في يوم من الأيام فأرد عليه ضاحكا بأنني في انتظار هذا اليوم الموعود ..
كانت أعجب حكاياته عن تلك الفتاة التي قابلها في أحد طوابير الخبز والتي حماها من معاكسة بعض الشباب وتعرف عليها ليكتشف أنها قاهرية في زيارة لأحد أقاربها في المحلة لقضاء أجازة الصيف وأنها قريبة للفنانة الفلانية والسياسي حبيب شعبان عبد الرحيم ..
تحدث عن قصة الحب التي نشأت بينه وبين هذه الفتاة وتعاهدهما على الزواج بعد الانتهاء من الدراسة والزيارات التي تمت وعائلة الفتاة التي تعرف على بعض أفرادها وترحيبهم به كفرد جديد في العائلة ووعود الفتاة له بمساعدته في شق طريقه في الحياة ..
قصته لم تكن مقنعة إلا أن أسلوبه وحماسته في الحكي وسرعة بديهته في الرد على الثغرات الواضحة تجعلك تستمع وتتجاوز على أمل أن تكون القصة حقيقية وتجد أنت أيضا فتاة من عائلة مثل فتاته ..
فكرت أكثر من مرة في الذهاب لذات الفرن الذي حكي عنه لعلي اجد فتاة بحاجة للمساعدة لأعيش معها قصة حب كقصته ..!!
دراسته للغة العربية وقراءاته جعلته يطعم قصصه بأبيات شعر كنت حريصا على أن استزيد منها .. كل عدة ايام كان يحكي لنا عن تفاصيل جديدة مثيرة تجذب الانتباه رغم علامات الوضع والتأليف الواضحة عليها ..
حكي لنا عن الفنانة قريبة فتاته التي قابلها وتعرف عليها وشبهته بالممثل أسامة عباس ..!!
فلم أملك إلا ان أرد عليه :
أنت أيها الأسمر الأكرت تشبه أسامة عباس .. أكيد تقصد محمد عباس لاعب الكرة في النادي الأهلى في الثمانينات .. ركز يا هاني في التأليف ..
حكي عن تفهم عائلة فتاته لظروفه الصعبة ووعود متضاربة بتسهيل سفره للخارج أو إلحاقه بالسلك الدبلوماسي عن طريق قريب حبيبته المشهور ..!!

وجاء يوم فارق في علاقتي بهاني .. تررررا ررررراا 🙂
لم أر هاني أمام البوابة كما هو معتاد وسألت عنه بالداخل قالوا موجود ..
العمل يبدأ عادة في الثامنة وقبلها نقوم بتغيير ملابسنا وتناول افطارنا وهو أمر لم أعتد أن يتخلف عنه هاني ..
كنا نعمل في المخازن وهي عبارة عن مساحات واسعة يتم رص بالات القماش فيها على طبليات خشبية في ممرات مرقمة نجلس بين هذه البالات لنستريح ونأكل أو لننام قليلا بعد انتهاء العمل ..
بحثت عن هاني في الممرات وناديته أكثر من مرة ولم أسمع جوابا وفجأة وجدته مختفيا في أحد الممرات بين البالات وأمامه الإفطار الريفي الموعود يتناوله وحده ..!!
فهمت سر اختفائه وأخذ يبرر واكتفيت أنا بنظرة ذات معني لهذا النذل 🙂

بعد فترة عرض علىّ فكرة العمل بأحد المصانع الخاصة وكانت اليومية مغرية جدا .. 10 جنيهات كاملة
المشكلة ان العمل يبدأ وينتهي في ساعتها من 7 لـ 7 🙂
12 ساعة كاملة يتخللها نصف ساعة فقط للغداء ..
كنت أعلم يقينا أن ظروف العمل ستختلف تماما عن تلك الموجودة في الشركة .. ضرب نار ولا مجال للدلع أو الراحة إلا أن اغراء اليومية في هذا الوقت كان كبيرا لدرجة دفعتني لأن أجرب الأمر وبالفعل ذهبنا سويا ..
كان العمل شاقا والوقت يمر ببطء شديد ولم نسترح ابدا للعاملين معنا وهم أيضا كذلك على عكس عمال الشركة الذين وجدنا منهم ترحيبا وتعاونا وتقديرا لطلبة يقضون أجازتهم لكسب بعض المال الذي يعينهم في دراستهم
لم نكمل اسبوعا في العمل وقررنا الانقطاع على ان نلتقي يوم استلام أجورنا – يتم تسليم الأجور مرتين شهريا
ذهبت في اليوم المتفق عليه ولم أجد هاني ووقفت في الطابور وعندما حان دوري فاجأني المسئول : صاحبك قبض لك
صاحبي مين ؟
صاحبك هاني ..!!

استغربت الأمر ولم أضيع وقتا وركبت اتوبيس لقريته وسألت عن بيته ووصلت له وخرج لي بجلابيته مرحبا بصوته العالي وابتسامته المعهودة وأدخلني وأصر على أن نأكل سويا عيش وملح وبدنجان وبطاطس مقلية وبعد السلام والكلام والسؤال عن الأحوال سألته عن فلوسي فقال انه وصل قبلي ووجد اسمي في الكشف قبله فقبض لي حتى لا يأخذها أحد وليحفظها لي عنده ..!!
ثم أخرج 10 جنيهات وقال لي إن عنده ظروف صعبة اضطرته للتصرف فيها وهذا هو المبلغ المتبقي ..!!
كانت الامور واضحة تماما بالنسبة لي .. هاني بيستهبلني .. إلا أنه أفاض في شرح الظروف الصعبة التي تمر بها أمه والجمعية المتأخرة عليها بالإضافة إلى أنه أحرجني لما أصر على أن نأكل سويا وعرفني على والدته ووجدتها ست طيبة فطلبت منه أن يحدد موعدا ليدبر المبلغ الخاص بي ..
ضرب لي موعدا أخلفه عدة مرات وقابلت امه وأخوه في غيابه عن واحد من هذه المواعيد فحكيت لأخوه الأكبر الذي حكي بدوره لأمه وفهمت أني لست الوحيد الذي فعل معه هذا ..
المهم أخذت فلوسي كاملة بعد فترة وانقطعت علاقتي بهاني وأكثر ما أحزنني حكاياته التي افتقدتها .. 🙁
الله يمسيك بالخير يا هاني 🙂